إصدارات ترشيد التربويّة
انطلقت إصدارات ترشيد التربويّة لتنفيذ فكرة كتاب "الصعوبات التعلّميّة: من التدخّل المبكر إلى التعليم الشامل" نتيجة إدراكٍ متزايد لحجم النقص في المكتبة التربويّة العربيّة في تناول صعوبات التعلّم من منظورٍ شامل، سياقيّ، نقديّ، إجرائيّ في آنٍ. فالموجود، في كثيرٍ من الأحيان، إمّا ترجماتٌ مجتزأة لا تراعي الفروق/ السياقات اللغويّة والثقافيّة، أو كتبٌ نظريّة معزولة عن الصفّ، أو أدلّة تقنيّة تفترض بنىً مدرسيّة غير متوفّرة في واقعنا العربيّ. وبين هذا وذاك، يُترك المعلّم وحيدًا، يتخبّط بين محبّته لطلبته، وعجزه عن مساعدتهم بأدواتٍ واضحة، وعلميّة قابلة للتطبيق.
من هُنا، يأتي الكتاب استجابةً لقلقٍ معرفيّ عميق يتقاطع مع خبرات المعلّمين اليوميّة داخل الصفوف. فقد ظلّت قضيّة صعوبات التعلّم، على الرغم من اتّساع حضورها في المدارس العربيّة، محصورةً بين تنظيراتٍ بعيدة عن الواقع، أو ممارساتٍ تفتقر إلى التأصيل العلميّ والسياقيّ.
تكمن أهمّيّة الكتاب في أنّه لا يتعامل مع صعوبات التعلّم حالةً فرديّةً معزولةً أو تشخيصًا تقنيًّا ضيّقًا، بل بوصفها مرآةً تكشف اختلالات أعمق في تصوّراتنا عن التعلّم والاختلاف والنجاح. فعدد كبير من الأطفال يُوصمون بالضعف أو قلّة الدافعيّة، بينما هم في الحقيقة يواجهون صعوبات لم تُفهم ولم يُستجب لها تربويًّا. ومن هنا، يقدّم الكتاب طرحًا نقديًّا وسياقيًّا يعيد تعريف هذه الظاهرة، ويؤكّد أنّ الطفل ليس أقلّ قدرة، بل يحتاج إلى مدخل تعليميّ مختلف، وأنّ المدرسة مطالَبة ببناء بيئات أكثر عدلًا واحتواءً.
يبني الكتاب مادّته عبر ستّة فصول متكاملة، تبدأ بتأصيل المفاهيم وتتبّع تطوّر تعريف صعوبات التعلّم من الإطار الطبّيّ إلى التربويّ، مع مراعاة السياق العربيّ. ثم ينتقل إلى معالجة واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في هذا المجال، وهي الفروق اللغويّة بين العربيّة والإنجليزيّة، وتأثيرها على التشخيص والتعلّم، قبل أن يسلّط الضوء على أهمّيّة التدخّل المبكّر بوصفه نقطة التحوّل الأساسيّة في مسار الطفل. ويتوسّع في عرض آليّات التشخيص والتقييم، مع إبراز التحوّلات المعاصرة نحو نماذج أكثر شمولًا مثل أنظمة الدعم المتعدّد المستويات، وصولًا إلى تناول العلاقة المتداخلة بين صعوبات التعلّم والاضطرابات الانفعاليّة والسلوكيّة، وما تفرضه من تحدّيات مركّبة على المعلّم والمدرسة. ويُختتم الكتاب بفصل التعليم الشامل، حيث لا يُطرح الدمج بوصفه شعارًا، بل ممارسةً تربويّةً تتطلّب أدوات واستراتيجيّات واضحة. وبهذا، يقدّم الكتاب إطارًا متكاملًا يربط بين الفهم النظريّ والتطبيق العمليّ، ويضع بين يدي المعلّم مجموعة من الأدوات والنماذج القابلة للتكييف ضمن واقع المدارس العربيّة، مهما كانت تحدّياتها.
تجربة إعداد هذا الكتاب، والتي خاضها فريق إصدارات ترشيد التربويّة برفقة المُحرّرة الرئيسة الدكتورة سكينة النابلسي ومجموعة من المتخصّصين العرب، هُم: د. سهيل الحيدريّ؛ د. خلوب قعوار؛ أ. نضال جوني؛ د. فرح الزين؛ أ. د. هيام التاج. مثّلت رحلةَ بحثٍ عن توازنٍ دقيق بين الأمل والواقع، بين الإيمان بقدرة التربية على التغيير، والاعتراف بحدودها حين تُفصل عن شرطها المعرفيّ المُجتمعيّ. وهي أيضًا رحلة تُسائل الخطاب السائد حول "الطبيعيّ" و"الاستثناء"، وحول من يُقصى بصمتٍ من مسار التعلّم.
في جوهره، هذا الكتاب ليس دليلًا تقنيًّا فحسب، بل دعوة لإعادة النظر في تصوّراتنا عن التعلّم والاختلاف والعدالة التربويّة. وهو يوجّه رسالة واضحة مفادها أنّ الطفل الذي يواجه صعوبات تعلّم ليس أقلّ قدرة، بل يحتاج إلى مقاربة مختلفة، وأنّ المعلّم، حين يمتلك المعرفة والأدوات، قادر على إحداث فرق حقيقي. ومن هنا، يشكّل هذا العمل خطوة في مسار أوسع نحو بناء معرفة تربويّة عربيّة أصيلة، تُنصف المعلّم، وتحتضن التنوّع، وتفتح أمام كلّ متعلّم فرصة عادلة للتعلّم والنمو.
لمزيد من التفاصيل عن توزيع الكتاب تابعوا إصدارات ترشيد التربويّة على وسائل التواصل الاجتماعيّ: